قال شيخ جليل مختص في اللغة العربية معبرًا عن حزنه العميق مما يرى من الاستخفاف باللغة، قائلًا: «أنا في غاية الحزن .. اللغة العربية جزء من الهوية والذات، ولا يجوز أن تكون محلًا للسخرية تحت أي ظرف». ثم شرع في شرح مكانة اللغة العربية وأهميتها، مستحضرًا تاريخها العريق ودورها في تشكيل الحضارة الإسلامية.

وهذا قد الموقف يحتاج للتأمل في سبب تألمه لهذا الحد، ولا شك أنه بسبب فهمه العميق للغة العربية وقيمتها الجليلة. فمعرفته بها ومنزلتها في نفسه منعته من أن يراها مجرد مادة للتندر أو الاستخفاف.

وهنا نذكر قصة الوليد بن المغيرة، ذلك الرجل الجاهلي الذي كان خصمًا للإسلام، لكنه عندما سمع القرآن، لم يستطع إلا أن يعترف بجماله وإعجازه. قال: «إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته». وذلك رغم عدائه الشديد للإسلام، إلا أن معرفته باللغة العربية جعلته يدرك أن هذا الكلام ليس من صنع البشر.

لكنّا اليوم نجد أن كثيرًا من المسلمين خاصة في الدول العربية التي لا تمثل سوى 20% من المسلمين عالميًا، يجهلون اللغة العربية. هذا الجهل أدى إلى فقدانهم الإحساس بإعجاز القرآن، الذي كان واضحًا حتى لأعداء الإسلام في الجاهلية. بل إننا نرى في الأفلام والمسلسلات شخصيات مثل شيخ الجامع أو المأذون أو المعلم، الذين يتحدثون بالعربية الفصيحة، يتم تقديمهم كمصدر للضحك، وكأن لغتهم غريبة أو غير مفهومة. هذا النوع من التصوير يعكس نظرة سلبية تجاه اللغة العربية وأهلها، ويُظهرها وكأنها لغة منعزلة عن المجتمع.

في الواقع، تعلم اللغة العربية ليس مجرد خيار ثقافي فحسب، بل هو واجب ديني. كما قال العلماء: «اعتياد اللغة يؤثّر في العقلِ والخلقِ والدينِ تأثيراً قويّاً بيّناً، ويؤثر أيضاً في مشابهةِ صدرِ هذه الأمّةِ من الصحابةِ والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقلَ والدينَ والخلقَ». وقالوا أيضًا: «فإنّ نفس الّلغة العربّية من الدين، ومعرفتها فرضٌ واجبٌ، فإنّ فهم الكتاب والسنّة فرضٌ، ولا يُفهم إلاّ بفهم الّلغة العربّية، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب».

وقرروا بإجماع أن إعجاز القرآن لا يُدرك إلا بفهم اللغة العربية بعمق. فقال بعضهم: «وإنّما يعرف فضل القرآن مَنْ عرف كلام العرب، فعرف علم الّلغة وعلم العربّية وعلم البيان ونظر في أشعار العرب وخطبها ومقاولاتها في مواطن افتخارها ورسائلها».

وهذا يدفعنا إلى التساؤل عن مدى تقصيرنا في حق هذه اللغة العظيمة، ويدعونا إلى بذل المزيد من الجهد لتعليمها للأجيال القادمة، خاصة في ظل التحديات الثقافية التي تواجهها اليوم. فتعلم العربية ليس فقط وسيلة لفهم القرآن والسنة، بل هو أيضًا جسر للتواصل مع تراثنا وحضارتنا.

وأخيرًا؛ فهذه كلمات بليغة وتكاليف عظيم من أئمة اللغة العربية بشأن هذه اللغة المكرمة:

قال الإمام الشافعي: “اللسان الذي اختاره الله عز وجل لسان العرب فأنزل به كتابه العزيز، وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد -صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا نقول: ينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها ..”

وقال أبو هلال العسكري، والذي قال: “وقبيحٌ لعمري بالفقيه المؤتم به؛ والقارئ المهتدى بهديه، والمتكلم المشار إليه في حسن مناظرته، وتمام آلته في مجادلته، وشدة شكيمته في حجاجه، وبالعربي الصليب والقرشي الصريح ألّا يعرف إعجاز كتاب الله تعالى إلا من الجهة التي يعرفه منها الزنجي والنبطي، أو أن يستدل عليه بما استدل به الجاهل الغبي.”

وقال أبو بكر الباقلاني:
”إن إعجاز القرآن لا ينفصل عن اللغة العربية، لأن القرآن نزل بلسان العرب، وفيه من أسرار البلاغة والفصاحة ما يعجز عنه البشر.”

وقال الزمخشري:
”القرآن معجز بلفظه ومعناه، ولفظه هو العربي المبين، فكانت العربية جزءًا من إعجازه.”

وقال ابن القيم:
”إن الله تعالى أنزل كتابه بلسان العرب، وجعله معجزًا في فصاحته وبلاغته، فكان من أعظم إعجازه أنه نزل بلغة العرب، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، فعجزوا عن الإتيان بمثله.”